كنيسة مار عبدا - حِلتا والطوباوي البَطريرك الياس الحويّك (1899-1931)
تَقَع بَلدَة حِلتا في قَضاء البَترون، على مُتوسِّط ارتفاع 600 م. عن سَطح البَحر. تَبعُد مَسافة 74 كلم عن العاصِمة بيروت، و17 كلم عن مَدينة البترون مَركَز القَضاء. يَقول الدكتور أنيس فرَيحَة، في كِتابه "مُعجَم أسماء المُدُن والقُرى اللبنانية" أن كَلِمة حِلتا Hilta تَعني إمّا دَلو وسَطل أو غِمد السَيف. وإذا أردنا تَصحيف كَلِمة حَلتا Halta فإنَّها تَعني خالَة (أي بَيت الخالة). وفي الآرامية حِلّتا Hilleta تَعني الوادي الفاصِل، وهذا هو المَعنى الذي يُرَجِّحُه، نظراً لِمَوقِعِها الجُغرافي.
تَتَمَيَّز البَلدَة بمَعالِم أثرية، من أبرَزِها كنيسَة مار عَبدا، كَذَلِك تَتَمَيَّز بأنَّها مَسقَط رأس الطوباوي البَطريَرك الياس الحويِّك (1899-1931)، وبَيته الوالدي ما زال قائِماً، وقد صُنِّفَ مَوقَعاً أثرياً، وأشرَفَت المُديريَة العامَة للآثار على تَرميمَه.
أمّا كَنيسة مار عَبدا، فَهي قَديمَة العَهد، بُنيَت على مَرحَلَتَين، فقد كانت قائمةً في البِدء على أنقاضِ مَعبدٍ وثنيّ، بَعضٌ مِن حِجارته استُعمِلَ في البناء، وفي بِداية القرن التاسِع عَشَر (1831) تَمَّ تَوسيعُها، وتَبدو ظاهِرةً مَعالِم مَرحلتي البِناء على الجُدران الخارجية والداخلية، من حَيثُ اختِلاف الحِجارَة وكَيفيّة وَصلِها بِبَعضِها... وتوجَد على جِدارها الخارجي كِتابةٌ مَحفورَة بالكَرشوني، (أي كِتابة العَربية بالحروف السِريانية)، تُشير الى أعمال تَوسيع الكَنيسة، حيث نقرأ:
" قَد تَمَّ بناء هذا الهَيكَل المُبارَك على اسم القدّيس ماري عَبدا المُعَظَّم - 1831، وكان المُعتَني به ال(...) عَمَل يوسف سليمان"
وكِتابَة أخرى غَريبة غَير مَقروءة، قال عَنها الأب اليَسوعي هنري لامنس (1862-1937)، أنَّها لَم تُفَك، بالإضافَة الى صَليبٍ محفورٍ على عَتبة مَدخَلِها.
بالعَودَة الى الطوباوي البَطريرك الياس الحويّك (1899-1931)، الذي كان، في عَهد أسقُفيته، الساعِد الأيمَن للبطريرك الحاج، هو ابن الخوري بطرس الحويّك. وُلد في شهر كانون الأول سنة 1843، ودَرَس في مَعهَد المَجمَع المُقَدَّس لنَشر الإيمان في روما، بَعدَ تَخَرُّجِه من كُلية اللاهوت في مدرسة دير مار يوحنا مارون في كفرحَيّ القريبَة من قريته حِلتا، ثم في مَدرسة الآباء اليسوعيين في غزير. إقتبل دَرَجَة الكَهنوت في الخامِس من حزيران 1870، وفي العام 1872 عَيّنَه البَطريرك بولس مَسعد (1854-1890) كاتباً لسِرّه. وفي 14 كانون الاول 1889 رُقّي الى دَرَجَة الأسقفية، وعُيّنَ مُطراناً على عَرقا شَرفاً ونائباً بطريركياً، وذلك في عَهد البَطريرك بولس مَسعد
ومنذ العام 1870، أي منذ بِداية حَياته الكَهنوتية، كانَت تُراوِدُه فِكرَة تأسيس جَمعيَة رُهبانية نِسائية مارونية، وذلك على أثر جَولاته في القُرى والمُدن كاهناً ثم أسقُفاً، ورؤيته الفُقر والجَهل يطالان قسماً كبيراً من أبناء المُجتمع. كما أنَّه كان يَرى أن تأسيس جَمعية رُهبانية نِسائية تَهتَمّ بِتَربية الفتاة ضَرورَة مُلحّة، ووسيلة لمُساعدة المُجتمع على النُهوض والتَطَوّر والتَخَلُّص من الفَساد والجَهل. فَراح يَتَرَقّب الفُرصة لتَحقيق حِلمِهِ هذا.. الى أن التقى في العام 1893، في كفيفان، في بيت صَديقِه الشيخ عسّاف البيطار، بالراهِبَة الأم روز ايلي نَصر، وهي لبنانية من القليعات – كسروان، كانت قَد أمضت 34 سنة في الحياة الرُهبانية عِندَ راهبات الناصرة الفرنسيات، و11 سنة عِندَ راهبات الوَردية، مِنها 7 سنوات رئيسةً عامَّة لهذه الرَهبنة، فنتج عن هذا اللقاء، بَعدَ سنتين منه، أي في العام 1895، المُباشَرة بتأسيس جَمعيَة راهبات العائلة المُقدَّسَة المارونيات في جبيل، برئاسة الأم روز، وانتقل مَركَزُها في السنة التالية 1896 الى عبرين. وقد دَخَلَت ابنة شقيق البطريرك هذه الرهبنة، لِتَغدو بعدها رئيسةً عامةً باسم الأم جوزفين.
وفي العام 1897 طَلَبَه البابا لاوون الثالث عشر (1878-1903) الى روما ليوليه إدارة مَعهَد المَوارِنة الإكليريكي فيها. إلّا أنه، في السنة التالية 1898، تُوفي البَطريرك يوحنَّا الحاج، فَوقَعَت القُرعَة عليه بطريركاً في السادِس من كانون الثاني 1899، أي يَوم عيد الغطاس، فَثبَّته البابا لاوون الثالِث عَشَر (1878-1903) في التاسِع من حزيران من ذلك العام، ومَنحه الدِرعَ المُقدَّس على يدِ وَكيلِه الخوري بولس بَصبوص، المُطران في ما بعد.
وفي ذَلِك العام نَفسه تَلقّى البَطريرك نَبأ مَصرَع الأم روز ايلي نصر، التي شارَكَته في تأسيس جَمعية راهبات العائلة المُقدسة المارونيات.
وكانت إقامته في بكركي شِتاءً والديمان صَيفاً، جاعِلاً من كُرسيّ الديمان صَرحاً دَعاه "كُرسي جْدَيْدِة قنّوبين"، كي يُحافظ على إسم قنّوبين، التي انتقل الكُرسيّ البَطريركي مِنها الى الديمان، علماً بأنه كان يُعَرِّج على دَير عِبرين أثناء انتقاله الى الديمان.
وأثناء الحَرب العالمية الأولى، وتَحديداً في العام 1916، فَتَكَ الجوع والجَراد باللُبنانيين، فأمَر بِفَتح أبواب الأديرة أمام جياع الحَرب. وبِحلول العام 1920، وكانت الحَرب قد انتَهَت بهَزيمَة الدَولة العُثمانية واحتلال الحلفاء للبنان وسوريا، أعلنَ الجِنرال غورو، بِحُضور الطوباوي البَطريرك الحويّك، "دَولَة لبنان الكبير" في الأول من أيلول من ذلك العام. ذلك أنَ الحويّك، من يوم انتخابه بَطريركاً، وَضَعَ استِقلال لبنان هَدَفه الأول، فَكانت أولى كَلِماته بَعدَ تَسلُّمِه عَصا الرِعاية.. التي أصبحت مَضرب مثل: "سأبذل جُهدي وراحَتي، بل وحَياتي في سَبيل شَعبي وكَنيستي".
ولم يَكُن إعلان "لبنان الكبير" مُجَرَّد بادِرَة من جانِب الجِنرال غورو، بل سَبَقَت ذلك مَساعٍ من جانِب البَطريرك، بدأت مُنذ العام 1919، إذ، نزولاً على طَلَبِه، إتَخَذَ مَجلِس الإدارة اللبناني قراراً بالمُطالبة بلبنان الكبير، فَحَمله داود عمّون على رأس وفدٍ الى مؤتمر الصلح، المُنعقد في فرساي في 13 شباط 1919. ولكنَّ هذا الوَفد مُني بِالفَشَل في تَحقيق مَطلبه، لذلك تَرأس الطوباوي البَطريرك الحويّك وفداً ثانياً، ذَهَب الى مؤتمر الصُلح، وقابَل رئيس الجُمهورية الفرنسية بوانكاريه ورئيس وزرائه كليمنصو وسِواهما، وَرَفَع الى المؤتمر، مُذكَرَة طالَب فيها بالاعتراف باستقلال لبنان، وإعادته الى حُدودِه التاريخية والطَبيعية، وبأن لا ينال الإنتداب الفرنسي على لبنان من سيادته المطلقة.
في العام 1931، قَبلَ وَفاتِه بِزمنٍ قَصير، أصدَر الطوباوي البَطريرك الياس الحويّك، مَنشوره السَنوي بِعنوان "مَحَبّة الوَطن"، ولَيلَة عيد الميلاد، في 24 كانون الاول 1931، رَقَدَ بِسلام في كُرسيّه ببكركي، ودُفِن فيها، ثم نُقل جثمانه عام 1936 الى الدير الأُمّ لراهبات العائلة المقدَّسة المارونيات في عِبرين بِصِفَتِه مؤسِّس جَمعيتَهُنّ، اذ كان يُرَدِّد دائماً: "إن قلبي في عِبرين".
بدأت مسيرة دعوى تطويب البطريرك الياس الحويّك عام 1999، مع فتح الدعوى رسميًا وجمع الوثائق والشهادات التي تناولت حياته وفضائله وسيرته الروحية
وفي عام 2010، أعلنت الكنيسة الكاثوليكية رسميًا منحه لقب "خادم الله"، بعد قبول الفاتيكان ملف الدعوى وبدء دراسته وفق الأصول الكنسية
ثم وقّع البابا فرنسيس مرسوم الفضائل البطولية، مُقرًّا بأن البطريرك الحويّك عاش الفضائل المسيحية بدرجة بطولية واستثنائية، وهي محطة مفصلية على طريق إعلان القداسة
وفي عام 2025، اعترف الكرسي الرسولي رسميًا بالأعجوبة المنسوبة إلى شفاعة البطريرك الحويّك، والمتمثّلة بالشفاء الإعجازي للعنصر في الجيش اللبناني نايف أبو عاصي، من أبناء طائفة الموحّدين الدروز، من مرضٍ مزمن في العمود الفقري عام 2005، الأمر الذي مهّد لإعلان تطويبه
وفي نيسان 2026، وبطلب من دائرة دعاوى القديسين في الفاتيكان، فُتح ضريحه في دير عبرين لاستخراج الذخائر، فكانت المفاجأة أن جثمانه وُجد سليمًا بعد مرور خمسةٍ وتسعين عامًا على وفاته، في حدثٍ أثار خشوع المؤمنين واهتمام الرأي العام
وبعد استكمال جميع المراحل القانونية والكنسية، وافق البابا ليون الرابع عشر في 19 ايّارعلى المراسيم الصادرة عن مجمع دعاوى القديسين، مُعلنًا تطويب البطريرك الحويّك
وفي 25 تموز 2026، احتفلت الكنيسة المارونية بإعلان تطويبه رسميًا في الصرح البطريركي الصيفي في الديمان، خلال احتفال مهيب ترأسه الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي
..بحضور الكاردينال مارتشيللو سيميرارو، عميد مجمع دعاوى القديسين وممثل البابا ليون الرابع عشر، بحضور حشدٍ رسمي وشعبي كبير
وتُوِّجت الاحتفالات في السبت الأول من آب (أغسطس) 2026، بعد أسبوعٍ كامل على رتبة التطويب، بإقامة قدّاس الشكر برئاسة الكاردينال الراعي، في دير راهبات العائلة المقدّسة المارونيات - عبرين، ومشاركةٍ واسعة من المطارنة والكهنة والمؤمنين والفعاليات الرسمية، عربون امتنان لله على نعمة تطويب البطريرك الياس الحويّك، وتأكيدًا على الإرث الروحي والوطني الذي تركه في تاريخ لبنان والكنيسة
وجاء في عظة الكاردينال الراعي يوم إعلان التطويب
"البطريرك الياس الحويّك هو علامة مضيئة في تاريخ الكنيسة والوطن والقداسة ليست تكريماً تمنحه الأرض بل عطية يمنحها الله لمَن عاش الإنجيل بأمانة حتى النهاية... لم يعرف اليأس حتى في أصعب المراحل. وعندما ضربت المجاعة لبنان، لم يقف متفرجاً على آلام الناس، بل فتح، سنة 1916، أبواب الديمان وبكركي والأديار أمام الجائعين والمحتاجين، حتى إنه رهن بعض أملاك البطريركية لتأمين ما يلزم لإغاثتهم. وعندما كان يُسأل: «من يعوّض هذه الخسائر؟» كان يجيب بثقة المؤمن: «الله يدبّر.» ومن هنا استحق أن يُلقب بـ بطريرك الفقراء والمظلومين".
وكان البطريرك بشارة بطرس الراعي سَمّاه خلال عظة تولِّيه السدّة البطريركية عام 2011 بأبي الإستقلال ولبنان الكبير.. الذي ترأس الوفد اللبناني الرسمي إلى مؤتمر الصلح في فرساي - باريس سنة 1919.
وبِالعَودَة الى مار عَبدا، فقد ارتَبَطَ اسمُ مار عَبدا «المشَمَّر»، أيّ السَّاهِر، بِبَقايا كَنيسَةٍ قَديمَةِ العَهد، بُنِيَتْ على تَلَّةِ المشَمَّر قُرب نَهرِ الكَلْب. وهَذا ما تُبَيِّنُهُ الهَندَسَة والّتي بُنِيَ الدّيرُ على أسُسِها.
فَقَد كانَتْ التَّلةُ مَركَزًا لِلنُّسّاكِ والعُبَّادِ مُنذُ أَجيال، قَبلَ أن يُشَيَّدَ الدَّيرُ الحاليّ. وقَد تَعودُ إلى ما قَبلَ القَرنِ السّابِعِ لِلميلاد، عِندَما قَدِم إلى لبنان في القَرنِ السّادسِ عَدَدٌ وافِرٌ مِنَ الرُّهبانِ لِلاهتِمامِ بِتَنشِئَةِ الّذين تَنصّروا على يَدِ تَلاميذ سِمعان العَامودي.
وكانوا عادَةً يَقْطُنونَ قُربَ الهَياكِل والمَعابِد الوَثَنِيَّة، الّتي كانَ أَكثَرُها مُنتشراً على الجِبالِ والتِّلال، فَيُحَوِّلونَها إلى مَناسِك وكَنائِس.
وَنَعرفُ مِن خِلالِ تاريخِ «النَّصرانِيّة»، أنَّهُ على أَثَرِ الفَتح الإسلامِيّ، كانَ دَيرٌ على اسمِ مار عَبدا، في مَدينَةِ سامَرّا، الّتي تَبعُدُ عن بغداد حَوالي مائَة كيلومِتر إلى الشَّمال. طُرِدَ الرُّهبانُ آنَذاك، فَهَرَبَ قِسمٌ مِنهُم إلى الشَّمال، وقِسمٌ آخَرٌ رَحَلَ إلى الجَنوب، وقِسمٌ إلتَجَأَ إلى الغَرب (سوريا ولبنان).
وَرُهبان «دَير سامَرّا» الّذين حَلّوا على تَلَّةِ المشَمَّر، حمَلوا مَعَهم ذَخائِرَ القِدّيس عَبدا، الّذي كانَتْ قَداسَتُهُ ذائِعَة في ذَلِكَ العَصر، وحَوَّلوا الهَيكَلَ الوَثَنِيّ إلى هَيكَلٍ مَسيحِيّ، وقَطَنَ فيهِ راهِبٌ يُدعَى عَبدا أَيضاً، أيّ خادِم اللّه.
أَمْضى عَبدا حَياتَهُ على تَلَّةِ المشَمَّر، عابِدًا وساهِرًا يُصَلّي، داعِيًا النّاس إلى التَّخَلّي عَن عِبادَةِ البَعل الفينيقِيَّة، يَبْكي ويَستَصرِخُ ضَمائِرهُم وعاطِفَتَهُم الأَبَوِيَّة، كَي لا يُقَدِّموا أَطفالَهم ذَبائِحَ بَشَرِيَّة.
بعدَ أن حَوَّلَ الفينيقِيّين إلى عِبادَةِ المَسيح، ومَنَعَ مُمارَسَة طُقوسِهِم الشَّنيعَة، أَخَذَ يُبَشِّرُهُم بِالإنجيلِ ويُعَمِّدُ أَطفالَهُم. هَكَذا غَدا هَذا النّاسِكُ القِدّيسُ شَفيعَ الأَطفالِ والنِّساء العَواقِر.
وَبَقِيَ هَذا المَزار العَجائِبِيّ يَقصِدُهُ المُؤمِنونَ في طَلَبِ حاجاتِهِم، واللّه أَنعَمَ على الكَثيرين، وما زالَ، بِشَفاعَةِ صَفِيِّه مار عَبدا. وَبَقِيَتْ هَذِهِ التَّلَّة على مَدَى الأَجيال، مَركزًا لِعِبادَةِ اللّه الحَيّ يَتَوافَدُ إلَيْها النّاس مِن الجِوار، والأَماكِنِ البَعيدَة، مُتَناقِلينَ أَبّاً عَن جَدّ، أَخبارَ مار عَبدا وقُدرَةَ شَفاعَتِه.
وما زالَ الدَّيرُ الّذي بُنيَ على إسمِهِ مَحجّةً لِلعائِلاتِ المُتَلَهِّفَة لِطِفلٍ يَزرَعُ الفَرحَةَ والأمَلَ فيها.