أبونا يعقوب - تلّة الصليب دير القمر

بعد أن شيّد الأب يعقوب صليبًا فوق كنيسة سيدة البحر في جل الديب عام 1925، راوده حلم إقامة صليب آخر على إحدى التلال المرتفعة في دير القمر، لما تتمتع به هذه التلة من مكانة مميزة بين تلال لبنان؛ فهي تزخر بالشواهد التاريخية، وتقع على ارتفاع يقارب ألف متر فوق سطح البحر، وعلى مسافة نحو أربعين كيلومتراً من بيروت، كما تتميّز بإطلالة واسعة على البحر وعلى عدد كبير من القرى الساحلية والجبلية في منطقتي الشوف والمتن، وقد عُرفت قديماً باسم «قلعة صور»، لأن الرؤية منها تمتد حتى مدينة صور.

وفي سنة 1929، وبعد اكتشاف مدفن يضم رفات شهداء أحداث عام 1860، قرر الأب يعقوب إقامة نصب تذكاري تاريخي يعلوه صليبٌ، تخليدًا لذكراهم، وبعد حصوله على موافقة رؤسائه وتأمين التبرعات اللازمة، بدأ تنفيذ المشروع فوق قطعة أرض تبلغ مساحتها حوالى ثمانية آلاف متر مربع، قدّمها له المطران أغسطينوس بستاني، راعي أبرشية صيدا ودير القمر آنذاك.

اكتملت الأعمال في صيف عام 1932، وشُقَّ طريقٌ يربط البلدة بالتلة لتسهيل الوصول إليها وفي الثالث عشر من أيلول من السنة نفسها، جرى تدشين الموقع في احتفال ديني وشعبي كبير شارك فيه آلاف الأشخاص من مختلف المناطق وتحيط بالتلة محطات درب الصليب الأربع عشرة المنتشرة على أطراف ساحتها.

وبعد سنوات طويلة تخللتها أحداث عصيبة شهدتها المنطقة، أُعيد ترميم التلة واستعادة دورها الروحي والتاريخي يتوسطها اليوم صليب شاهق من الإسمنت يحمل مصلوباً صُنع في فرنسا، ويرتكز على قاعدة إسمنتية، وقد خضع الصليب وقاعدته في العام 2018 لعملية ترميم وصيانة شاملة.

وفي الجهة الجنوبية من الموقع المذكور تقع الكنيسة التي تحمل اسم الأب يعقوب وهي كنيسة مميزة لأنها تُعتبر، بحسب المصادر، أول كنيسة في العالم تحمل اسم الطوباوي أبونا يعقوب الكبوشي بعد إعلان تطويبه سنة 2008، إذ كُرِّست في 24 حزيران من السنة نفسها على يد المطران الياس نصّار راعي الأبرشية آنذاك.

وكان أبونا يعقوب قد أنشأ سنة 1932 في هذا الموقع، الذي كان في الأصل مغارة قديمة، مبنى صغيرًا  ليستعمله كمستودع ومكان لإقامة القداس عند سوء الأحوال الجوية ولم يكن هذا المكان مكرساً ككنيسة في ذلك الوقت، إنّما شكّل مكاناً للراحة والتأمل للرهبان الكبوشيين خلال خلواتهم الروحية، قبل أن يُستخدَم المبنى لأغراض عسكرية خلال سنوات الأحداث اللبنانية ثم يُترَك مهجورًا لسنوات طويلة.

وتشهد التلة سنوياً ثلاثة احتفالات رئيسية تتخللها القداديس والزياحات الدينية: الأول في الأول من شباط إحياءً لذكرى ميلاد الأب يعقوب، والثاني في السادس والعشرين من حزيران إحياءً لذكرى وفاته وعيده، والثالث في ليلة الثالث عشر من أيلول احتفالًا بعيد ارتفاع الصليب. يُذكر أن الطوباوي أبونا يعقوب الكبوشي (خليل الحداد المولود في غزير) كان قد

توفي يوم السبت 26 حزيران 1954، في تمام الساعة الثالثة عن عمر يناهز 80 عاماً، وكانت كلماته الأخيرة: "يا صليب الرب يا حبيب القلب".

 

Location

Video