تقع بلدة ألمُنصِف ضمن منطقة تُعرف باسم قرنة الروم، شمال غربي قضاء جبيل.
وتُعدّ ألمُنصف إحدى القرى السبع التي يتكوّن منها هذا التجمّع، وهي: "شيخان، الريحانة، جدّايل، المنصف، بخعاز، البربارة، وغرزوز"، وهي طبيعياً في منتصف منطقة قرنة الروم. يصل ارتفاع البلدة عن سطح البحر إلى حوالي 250 مترًا، وتبعد حوالي 46 كيلومترًا عن العاصمة بيروت، ونحو10 كيلومترًا عن مركز القضاء جبيل.
كلمة المنصف هي لقب لُقّب به الخوري جرجس الذي وزع مُمتلكاته بإنصاف على أولاده. فهي قديمة العهد وما يدل على ذلك آثارها العديدة من نواويس وبقايا قديمة ومنها كنيسة مار ماما التي يقال أنه كان يوجد بقربها عدد من المغاور والنواويس بالإضافة إلى ثلاث كنائس قديمة وهي كنيسة مار سركيس وباخوس الرعائية موضوع بحثنا، كنيسة مار مخائيل وكنيسة مار جرجس الحَوْش.
بالعودة إلى كنيسة مار سركيس وباخوس فهي الكنيسة الرعائية في البلدة، وقد تم الإستناد في هذه الدراسة إلى الباحثة May Davie في كتابها "الكنائس الأرثوذكسية في قرنة الروم" (بلاد جبيل) الصادر عام 2012 والباحث ليفون نورديغيان والكاتب قيصر عواد في مؤلفه "المنصف قبل النسيان" الصادر في العام ٢٠٠٢.
تقع البلدة في مكان يُعرف بالدَّبْشة، ويبدو أنَّ القرية في الماضي كانت قائمة على منحدر هذا الموقع. الكنيسة وجهتها نحو الشرق وهي ذات سوق واحدة تنتهي بحنية ظاهرة من الداخل فقط، مائدة المذبح عبارة عن بلاطة مستطيلة ترتكزعلى قطعةعمود حجريّ، الأرجح روماني،تعلوه قاعدة عمود دوريّ استعملت هنا كتاج له.
الشكل الخارجيّ لكنيسة القدّيسين سركيس وباخوس تقليديّ، يحاكي نمط كنائس جبل لبنان العائدة إلى القرن التاسع عشر، أي أنَّه صرح مستطيل ومرتفع مبنيّ بالحجارة الكلسيَّة المقصوبة، ومكسوّ بسقف مسطَّح وإلى جانبه شجرة سنديان عتيقة. تسمح دراسة مخطط الكنيسة بتحديد المرحلتين الأساسيَّتين في بنائها ويمكن استنتاج مرحلة ثالثة استناداً إلى إشارات ودلائل غير مباشرة.
للكنيسة ثلاثة أبواب، واحد في وسط الواجهة الغربيَّة والآخران في الجدار الشماليّ أحدهما يفضي إلى الجهة الغربيَّة، المعروف بباب النساء والآخر إلى الجهة الشرقيَّة. لا يتّسم الباب الغربيّ بأيّ طابع خاص، ويرجَّح أنَّه رمم في القرن العشرين
في المقابل، الباب الذي يؤدِّي إلى الجهة الغربيَّة يبدو أكثر إتقاناً، وهو يخترق فتحة مقوَّسة ويذكّر رسمه بالأبواب الأثريَّة في البيوت الإقطاعيَّة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
على بلاطة أعلى الباب كتابة محفورة، جاء فيها ما يلي:
" قد تمّ عمارة هذه الكنيسة المباركة على اسم القديسينسركيس وباخوس وليدة مال النوريّة. تمّ في شهر أيلول المبارك سنة ١٨٠١".
الباب الثاني يؤدّي إلى الجهة الشرقيَّة من الكنيسة وهو ضمن إطار مستطيل من الحجر المنحوت وتشير الكتابة على الصليب المنحوت على الساكف إلى تاريخ صنع الباب في العام 1913 وهو تاريخ توسيع الكنيسة نفسه .
في الكنيسة أربع نوافذ، إثنتان مقوَّستان ضيّقتان وعاليتان ونافذتان صغيرتان تميزان بالبساطة. وهناك نافذة الجهة الشرقيَّة وهي مكوّرة ونافذة أخرى صغيرة عالية في الحائط الغربي . تشير هذه التعديلات المختلفة إلى تنوّع تقنيّات البناء وتقصيب الحجر ونلاحظ أهميَّة استعمال الأحجار الكبيرة القديمة، بخاصّة في الأجزاء المنخفضة على طول قاعدة الواجهة الجنوبيَّة والغربية، بعض دعائم البناء في الزوايا الشماليَّة الغربيَّة والجنوبيَّة الغربيَّة يزيد طولها على مترين ...
على أحد الأحجار الكبيرة في الجهة الخارجيَّة الجنوبيَّة نقش صليب قد يعود تاريخه إلى المرحلة البيزنطيَّة وهناك صلبان خارجية أُخرى ليست على مستوى الإتقان ذاته ترقى إلى مرحلة متأخّرة، و أحد هذه الصلبان نقش على حجرعلى الحائط الشرقي وهو صليب مُصلّب الأطراف، Recroisité أي إنّه صليب مركّب: في الوسط صليب ضمن دائرة وأربعة صلبان صغيرة موزّعة بين العارضة الأفقيَّة والركيزة.
هذا وقد أُجريت تنقيبات كثيرة عشوائيّة جنوب الكنيسة لإنشاء قاعة استقبال وغيرها...ظهرت بنتيجتها بعض أجزاء من رحى معصرة زيتون وأجران، ما تزال موجودة في الناحية الجنوبيَّة، تعكس هذه الملاحظات تاريخاً هندسيّاً مضطرباً اكتسبه هذا المبنى منذ إنشائه، الذي قد يرقى إلى المرحلة البيزنطيَّة الأولى، لكنّه ربّما تأسّس على أطلال المرحلة الرومانيّة. وفي ما يتعلّق بالتطوّر الهندسيّ يمكننا أن نطرح ما يلي: تعود نواة الفسحة الغربيَّة على الأرجح إلى العصر الوسيط (القرن الثاني عشر -القرن الثالث عشر)، وقد رُمّمت بدء القرن التاسع عشر كما تشير الكتابة فوق الباب الشماليّ الغربيّ. وأخيراً عند مقلب القرن التاسع عشر أُعيد بناء كلّ الجهة الشرقيَّة من الكنيسة مع العقد البارز. الباب الشماليّ المؤرَّخ في العام ١٩١٣ يشكل جزءًا من هذه التعديلات المتأخرة.
يمكن القول إنَّ كنيسة قديمة سبقت الحاليَّة وكانت تقع جنوب غرب الكنيسة الحالية وإنَّ تلكالكنيسة القديمة دُمّرت في القرن الثامن عشر بعد زلزال زعزع بنيتها، وإنّ بعض حجارتها استخدمت في ترميم العام ١٩١٣ فإذا كانت هذه الفرضيَّة دقيقة وصحيحة يمكن القول نظرًا إلى أهميَّة الحجارة القديمة المستعملة، إنَّ الكنيسة أعيد بناؤها على آثار من العهد القديم ومن القرون الوسطى موجودة في الموقع. وحدها التنقيبات الأثريَّة تسمح بالتوضيح.
الأيقونستاس الذي يفصل الهيكل عن السوق صُنع من خشب الأرز المستقدم من قرية جاج. على يمين الباب الملوكي أيقونة السيّد المسيح ثمّ القدّيس يوحنّا المعمدان، وإلى اليسار أيقونتا العذراء والقديسان سركيس وباخوس شفيعا الكنيسة. على طرفي الأيقونستاس أيقونات صغيرة، إلى الشمال، أيقونة مار ماما على ظهر أسد، ومن المرجّح ان تكون من كنيسة مار ماما في المنصف،تماماً كما هي الحال بالنسبة إلى الأيقونتين المرفوعتين على الجدار الداخلي الغربي والمستقدمتين، كما يقدّر من كنيسة مار ميخائيل في القرية ذاتها. الأيقونة المقابلة علىالأيقونستاس للقدّيس ماما على الجهة الجنوبيّة من الأيقونستاس تمثّل المسيح و أيقونة مار سركيس وباخوسرسمها ميخائيل كردلي المصوّر العام ١٨١٥، وهو المعروف أيضاً باسمه الأصلي الكريتي مخايل بوليخرونيوس . le crétois Mikhaïl Polykhronis
كان في الكنيسةمكان مخصّص للنساء، وكان موجودًا في آخر الكنيسة ومفصولاً عن مقاعد الرجال بواسطة شعرية خشبية. ويوجدجرن المعموديَّة الحجريّ المنحوت والسُّلَّم الخشبيّ الذي يقود إلى القبَّة حيث كان الناقوس وبئر الماء في الساحة والذي طمر في ما بعد. في العام ١٩١٣ تصدَّع الجدار الشرقيّ وزعزع معه مدفن الكهنة القائم في الخارج. في السنة ذاتها وُسّعت الكنيسة وأعيد استعمال الجرار الصوتيَّة القديمة، لكون هذه التقنيَّة تساعد على امتصاص الصدى. ونقل المدفن إلى الهيكل حيث هو اليوم، كما شُيِّدت قبة الجرس الحاليَّة وزُيِّنت بمنحوتات على شكل ملائكة ورؤوس ونتوءات مسنَّنة، كما تظهر على العمودين الأماميَّين. ولكن توقَّفت أعمال الترميم بسبب الحرب العالميَّة الأولى. وانطلقت من جديد في العام 1918.
في الواقع، يتألَّف صحن الكنيسة من قسمين واضحين في المخطط وفي البناء. وهذا الاختلاف في تقنيَّة تغطية صحن الكنيسة ينعكس في سماكة الجدران، التي تزداد بوضوح في الجهة الغربيَّة لتمتصَّ ضغط القنطرة. نقطة الالتقاء بين القسمين محدَّدة في الجهة الخارجيَّة من الجدران الجانبيَّة. وعلى جانبيّ هذا الخط نلاحظ أيضاً اختلافاً في طريقة البناء. ويُذكر ان هذه المرحلة تَظهُر معالمها بصورةٍ واضحة على جدرانها الخارجية خاصة في جدارها الشمالي بحيث Le coup de sabre واضح من حيث إختلاف إستعمال الحجارة وكيفية وصلها ببعضها...