تقع بلدة بخعاز في منطقة قرنة الروم، شمالي غربي قضاء جبيل، وهي إحدى القرى السبع التي تؤلف هذا التجمع، إلى جانب البربارة، جدّايل، الريحانة، المنصف، شيخان وغرزوز يبلغ متوسط ارتفاع البلدة نحو 420 متراً عن سطح البحر، وتبعد حوالي 52 كيلومتراً عن العاصمة بيروت ونحو 13 كيلومتراً عن مدينة جبيل
تتربّع كنيسة النبي الياس الأثرية على قمّة التلّة الجنوبية للبلدة، على ارتفاع يقارب 500 متر عن سطح البحر، ما يمنحها موقعاً بارزاً وإشرافاً واسعاً على المنطقة المحيطة وتُعدّ من أبرز الكنائس التاريخية في قرنة الروم، إذ تمثل نموذجاً متكاملاً للعمارة الكنسية الريفية التي انتشرت في جبل لبنان خلال أواخر القرن الثامن عشر.
وتشير الباحثة May Davie في كتابها الكنائس الأرثوذكسية في قرنة الروم (بلاد جبيل) الصادر عام 2012 :"إلى أن الكنيسة شُيّدت بالحجارة الكلسية البيضاء المقطوعة، وهي كنيسة ريفية كبيرة نسبياً، تتسم بضخامة بنائها وبساطة مظهرها الخارجي، وتعكس الطراز المعماري الذي ساد في لبنان وسوريا بين أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن العشرين.
ويؤرخ نقشٌ محفور على أحد أقواس الكنيسة بناءها إلى سنة 1780م، كما يذكر أن الذي تولّى تشييدها هو المعلّم حنّا من الشوير، أحد أشهر البنّائين الذين ذاع صيتهم في جبل لبنان خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وقد عُرفت مدرسة البنّائين الشويريين بإتقانها لفنون العمارة الحجرية والنحت والزخرفة، وكان أفرادها يُستدعون لبناء الكنائس والأديرة والقصور في مختلف المناطق اللبنانية وقد ترك المعلّم حنّا بصمته الفنية في كنيسة بخعاز من خلال جودة البناء ودقة العناصر الزخرفية المنحوتة على المداخل والأقواس.
يتميّز مخطط الكنيسة بتصميم هندسي خاص، إذ تتألف من مساحة مركزية تعلوها قبة أو عقد رئيسي، يحيط بها من الشرق والغرب فضاءان تغطيهما قناطر نصف أسطوانية وقد استُخدمت حلول إنشائية متقنة لتوزيع الأثقال، فجُعلت الجدران أكثر سماكة في المواضع التي تحمل ضغط العقود، بينما خُففت سماكتها في القسم الأوسط حيث تنتقل الأحمال إلى الزوايا المدعّمة بأعمدة وقد أتاح هذا النظام فتح النوافذ والأبواب في الجزء المركزي من الكنيسة من دون المساس بمتانة البناء.
أما الجدار الشرقي فيضم حنية نصف دائرية تتقدّمها كوتان جانبيتان، ويخترقها منفذ صغير يعلوها، زُخرف بعناية من الخارج ويُعد الباب الشمالي أبرز العناصر المعمارية في الكنيسة، إذ يعلوه ساكف حجري منحوت يتوسطه صليب يحيط به عصفوران، وفوقه قوس يحمل كتابة عربية تتضمن تاريخ البناء واسم البنّاء وعلى جانبي الصليب تظهر دوائر زخرفية تضم أشكالًا هندسية ونجوماً ورسماً لولبياً، بينما نُقشت العبارة اليونانية الشهيرة:
IC XC NIKA
أي «يسوع المسيح المنتصر»، وهو شعار بيزنطي قديم مؤلف من الأحرف الأولى والأخيرة لإسمي يسوع المسيح باللغة اليونانية، وكلمة NIKA التي تعني «ينتصر» ويرمز هذا الشعار إلى انتصار المسيح على الموت والخطيئة، وقد شاع استخدامه في الفن والعمارة البيزنطية منذ عهد الإمبراطور قسطنطين الكبير.
كما يحمل تصوير العصفورين المحيطين بالصليب دلالة روحية عميقة في الفن المسيحي المشرقي، إذ يرمزان إلى النفس البشرية الساعية إلى الخلاص أو إلى الكنيسة المجتمعة حول صليب الفداء، وهو موضوع زخرفي متكرر في الفنون السريانية والبيزنطية أما الزخارف الهندسية ذات الأشكال النجمية واللولبية فتجسد التوازن والكمال، وتعكس المستوى الرفيع الذي بلغه فن النحت الحجري لدى معلمي العمارة في جبل لبنان.
وتضيء الكنيسة نافذتان جانبيتان معقودتان، بينما ترتفع الجرسية عند الزاوية الشمالية فوق إحدى النوافذ، وهي عبارة عن بناء صغير قائم على أربع ركائز تعلوه قبة يكللها صليب ويمكن الوصول إلى سطح الكنيسة بواسطة درج داخلي يقع في الجدار الشمالي ويؤدي إلى الزاوية الشمالية الغربية، ويحمي مدخله برج صغير مربع الشكل.
داخل الكنيسة أيقونستاس خشبي محفور بدقة، تزينه زخارف نباتية وحيوانية ذات ألوان قوية، ويُنسب هذا العمل إلى فنان إيطالي. ونذكر أنّ هذا الأيقونستاس ينتمي إلى الطراز الذي انتشر في الكنائس اللبنانية خلال القرن التاسع عشر، ويشبه إلى حد كبير أيقونستاس كنيسة سيدة غرزوز، مما يؤكد وحدة المدرسة الفنية التي سادت كنائس قرنة الروم في تلك المرحلة.
وقد خضعت الكنيسة في السنوات الأخيرة لأعمال ترميم شملت إزالة طبقات الطلاء عن الجدران الداخلية وإظهار الحجر الأصلي، إلى جانب ترميم الأيقونستاس وإعادة طلائه، بما ساهم في إبراز قيمتها التاريخية والمعمارية."
الكنيسة ذات سوق واحدة ووجهتها نحو الشرق، وهي تندرج ضمن مجموعة الكنائس التاريخية التي تشكل التراث الديني والمعماري لمنطقة قرنة الروم، والتي تتشارك في كثير من خصائصها مع كنائس المنصف وغرزوز وجدّايل والريحانة، سواء من حيث أساليب البناء، أو استخدام الحجر الكلسي، أو النقوش اليونانية والعربية، أو العناصر الزخرفية والرمزية وقد وثّقت هذه الخصائص دراسة جامعة البلمند حول «عشرون كنيسة وكنيسة صغيرة في قرنة الروم»، التي أبرزت وحدة هذا الإرث المعماري، وأكدت أن كنيسة النبي إلياس في بخعاز تمثل إحدى أهم الشواهد على النهضة العمرانية والفنية التي شهدتها بلاد جبيل خلال القرن الثامن عشر، والتي أسهم فيها كبار البنّائين والحرفيين، وفي مقدمتهم معلمو الشوير، الذين تركوا بصمتهم في العديد من الكنائس والأديرة اللبنانية... فالبناء يحمل بصمة المعلّم حنّا الشويري (١٧٨٠م)... بالنسبة للعام 1780 المذكور، فهو ليس بأكيد، إلا الرقم 17 منه، الذي يشير الى القرن الثامن عشر...
وظهرت الحرفية الشويرية في دمج الخطوط والنحت الهندسي في الدوائر المتماثلة. معظم كنائس قرنة الروم بنيت أو رُممت في القرن الثامن عشر والتاسع عشر على يد نفس "معلّمية البناء" من الشوير والمتن، مما يفسّر تشابه تفاصيل الأقواس والقباب والأبراج المربعة الحامية للأدراج..
يُذكر بأنَّ البلاطة التي تعلو ساكف الباب الشمالي عليها النص التالي، ما عدا السهو والغلط:
وكان البدء في عمارة هذه
الكنيسة المباركة على اسم مار
الياس الحي لترتيل
الخدمة عن الرب الاله
يتم اتامهم بالرجا وكان المعلم
حنا من الشوير المهندس
للبنا الذي يزري هذه ال...
يدعى غفرانا للذنوب لكيما
يباركنا الرب بصلوات من يليها
مسيحية 1820