كانت شبه جزيرة الميناء المحصّنة تُشكّل في العصور القديمة مدينة طرابلس. فمنذ الألفية الأولى قبل الميلاد أنشأ الفينيقيون مدينة مُحصّنة على شبه الجزيرة هذه ، على غرار نموذج مدينة صور، حيث أحاطتها مياه البحر من جهاتها وجدارٌ دفاعي من الداخل، مما جعلها حصناً قوياً أعجب به الرحالة والمؤرخون القدماء. وقد تعرّضت هذه المدينة لأضرار كبيرة نتيجة الزلزال الذي وقع في القرن السادس الميلادي، كما حدث في معظم مدن الساحل الشرقي للبحر المتوسط. وفي سنة 644م. أُعيد بناؤها بمساعدة الإمبراطور البيزنطي جستنيان، ولكن ضمن مساحة أصغر وأكثر تحصيناً.
وبعدما استولى الصليبيون على طرابلس سنة 1109م، ومع تكرار الزلازل التي أضعفت أسوار المدينة القديمة، أمر السلطان المملوكي قلاوون لاحقًا بهدم الأنظمة الدفاعية للمدينة خشية عودة الفرنجة إليها واتخاذها قاعدة عسكرية. وفي النصف الثاني من القرن الرابع عشر، دفعت محاولات إعادة احتلال الساحل حكّام المماليك إلى إنشاء سلسلة من الأبراج الدفاعية وأبراج المراقبة على طول شبه جزيرة الميناء لحماية المرفأ ومراقبة البحر. ويُعدّ برج السباع أبرز هذه الأبراج وأشهرها.
يعود بناء برج السباع إلى القرن الرابع عشر أو الخامس عشر الميلادي، وقد أسسه الأمير سيف الدين برسباي الناصري، أحد أمراء الدولة المملوكية، ويُنسب إليه اسمه التاريخي «برج برسباي». غير أن سكان المدينة أطلقوا عليه مع مرور الزمن اسم «برج السباع» إما بسبب النقوش التي تمثل الأسود على واجهته، وهي رموز للقوة في الفن المملوكي، أو نسبة إلى الأبراج السبعة التي كانت موزعة على ساحل الميناء.
يقع برج السباع في أقصى الطرف الشرقي من ميناء مدينة طرابلس، ويُعتبر من أهم المعالم التاريخية في منطقة الميناء، وهو أكبر الأبراج الدفاعية التي كانت تنتشر على شاطئ المدينة، كما أنه الوحيد الذي ما زال قائمًا حتى اليوم، إذ اندثرت معظم الأبراج الأخرى أو أُقيمت فوق مواقعها أبنية حديثة.
البرج مبنى دفاعي ضخم يبلغ طوله نحو 28.5 مترًا وعرضه حوالي 20.5 مترًا، ويتألف من طابقين شُيّدا بالحجارة المتوسطة الحجم ذات السطح البارز، وهي من تقنيات البناء العسكرية المملوكية. وقد استُخدمت في بنائه أجزاء أعمدة حجرية رومانية أُدرجت أفقيًّا داخل الجدران، وهو أمر كان شائعًا في فنّ العمارة في تلك الفترة. ويضم الطابق السفلي مخازن وفتحات للرماية (مرامي) كانت مخصصة للمدافعين، بينما كان الطابق العلوي يُستخدم مركزًا للمراقبة والحراسة، ويُعتقد أنه كان يضم مسجدًا صغيرًا محصنًا يحتوي على محراب ونافذتين
لا تزال آثار الشرفات الدفاعية تظهر على قمم الأسوار، حيث كانت تحمي الرماة أثناء الدفاع عن البرج. وهناك مدخل للبرج من الجهة الغربية يتميّز بطابعه المعماري التاريخي، وهو عبارة عن قوس حجري كبير يحيط بالمدخل، وقد بُني من حجارة متناوبة اللون بين البني الفاتح والأسود الداكن، مماثل لمدخل قلعة طرابلس... داخل هذا القوس باب خشبي صغير يبدو متينًا وبسيطًا في تصميمه عليه شعار الدرع الأزرق لحماية الممتلكات الثقافية في حال النزاع المسلح، وفق إتفاية لاهاي 1954، ويعكس هذا المدخل أسلوب البناء التقليدي للأبراج الحجرية التي كانت تُشيَّد لأغراض دفاعية. يتقدّم المدخل درجٌ حجري عريض يتكوّن من عدة درجات متناسقة تقود مباشرة إلى الباب، كما يتصل الطابقان بدرج داخلي مدمج ضمن البناء. وقد شُيّد البرج أساسًا لمراقبة الساحل والدفاع عن مرفأ طرابلس ضد الهجمات البحرية، سواء من القراصنة أو من الحملات الصليبية التي كانت تهدد الساحل الشمالي للبنان
شهد البرج أعمال ترميم في فترات مختلفة، خاصة خلال العهد العثماني، كما خضع لاحقًا لأعمال صيانة من قبل المديرية العامة للآثار في لبنان. واليوم يُعدّ برج السباع موقعًا أثريًّا وتراثيًّا مهمًا يرمز إلى الدور البحري والدفاعي لمدينة طرابلس، كما يُستخدم أحيانًا لإقامة فعاليات ثقافية ومناسبات عامة. ويشكّل هذا المعلم جزءًا من النسيج التاريخي لمدينة طرابلس القديمة، المدرجة على القائمة الإرشادية المؤقتة لمواقع التراث العالمي لدى اليونسكو.
يُذكرأنه بالقرب من البرج تقع محطة للقطار قديمة العهد، بدأ العمل فيها خلال العهد العثماني في العام 1911. وللمحطّة هذه أهمية استراتيجية إذ كانت تشكل نقطة ربط حيوية، حيث اتصلت بمدينة حمص السورية بمسار واحد، وفي الأربعينيات، عام 1942، تم ربطها بمحطة بيروت المركزية في مار مخايل وفلسطين.
اشتهرت المحطة بكونها المحطة النهائية لخط "قطار الشرق السريع" (أو امتداده المعروف بقطار "طوروس السريع") في فترات العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، وهو القطار الذي خلدته الكاتبة أغاثا كريستي في رواياتها Murder on the Orient Express